السيد كاظم الحائري
554
تزكية النفس
الحياة كاملا خلال أربعين سنة ، ومن الواضح أنّ طريقة الحياة وظروفها ومكتنفاتها لها الأثر الكبير في سنخ التربية . هذا ، إضافة إلى سبب آخر محتمل لذلك ، وهو : أنّ الإنسان يبلغ ذروة كماله المزاجي والفكري من خلال أربعين سنة ، ثمّ يتجه نحو التوقف ، ثمّ النقصان عادة ، فلو لم يفلح في زمان ذروة القدرة وقوّة الإرادة ، ضعف احتمال الفلاح بعد ذلك ، وفي الحديث عن أبي بصير قال : قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « إذا بلغ العبد ثلاثا وثلاثين سنة فقد بلغ أشدّه ، وإذا بلغ أربعين سنة فقد بلغ منتهاه ، فإذا طعن في إحدى وأربعين فهو في النقصان . وينبغي لصاحب الخمسين أن يكون كمن كان في النزع » « 1 » . وعليه فالاهتمام بتربية النفس قبل بلوغ الأربعين من أشدّ الضرورات ، خاصة وأنّ سني الأربعين فما فوق هي سنوات اشتداد الحساب والكتاب عليه من قبل اللّه تعالى على ما في بعض الروايات ، فعن أبي بصير قال : قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : « إنّ العبد لفي فسحة من أمره ما بينه وبين أربعين سنة ، فإذا بلغ أربعين سنة أوحى اللّه - عزّ وجلّ - إلى ملائكته أنّي قد عمّرت عبدي عمرا ( وقد طال ) ، فغلّظا وشدّدا وتحفظا واكتبا عليه قليل عمله وكثيره وصغيره وكبيره . قال : وقال أبو جعفر عليه السّلام : إذا أتت على العبد أربعون سنة قيل له : خذ حذرك فإنّك غير معذور ، وليس ابن أربعين سنة أحقّ بالعذر من ابن عشرين سنة ، فإنّ الذي يطلبهما واحد ، وليس عنهما براقد ، فاعمل لما أمامك من الهول ، ودع عنك فضول القول » « 2 » . وليس معنى ما قلناه : من ضرورة تزكية النفس قبل الأربعين عدم ضرورة ذلك في أوّل الشباب ، وكفاية الابتداء بذلك في سنّ الثلاثين مثلا ، وإنّما المقصود : أنّه
--> ( 1 ) الخصال 23 / 545 ، أبواب الأربعين . ( 2 ) المصدر السابق 24 / 545 - 546 ، أبواب الأربعين .